كان صوت المذياع يملأ المكان، والجميع يلتف حوله منتظرين الخبر......."خبر عاجل"، هذا ما اعتدناه منذ بداية الانتفاضة، أخبار عاجلة، أناشيد وطنية، هتافات حماسية...والجميع يصمت لينتظر الخبر، أهو لصالحنا أم لصالح الأوغاد ؟ كنت أقف متجهّمة، شعور غريب كان يقتلني، خفقات قلبي تزداد، وأحسست بغصة ما تخنق أنفاسي، نظرت حولي باحثة عن شيء يخفف انفعالي فوقع بصري على زهرة جورية، كانت قد وضعت في كأس من الماء. تأمّلت بها مليّا، لقد كانت ذابلة شاحبة، منزوعة الأوراق، بتلاتها على وشك السّقوط، وأيقنت أن من قام بنزع هذه الزّهرة عن غصنها لم يستخدم آلة قطع مناسبة، بل نزعها بيده...لقد حقدت عليه حينها... اقتربت من الزّهرة، وكأن قلبي يحمل لها حنينا، انقطع تفكيري في تلك الّلحظة، لأن المذيع بدأ يلقي على مسامعنا الخبر..."قوات العدو تقصف مدينة غزة وأسفر هذا القصف عن استشهاد شابين فلسطينيين، وإصابة ثالث بجروح بليغة..." ارتفعت الأصوات المستنكرة للحدث، ودوّى الغضب في المكان. ازدادت الغصّة في قلبي اتساعا، عدت بنظري إلى الزهرة، يا إلهي..لقد سقطت بتلاتها...أمسكت بهما، لقد اتضح لي أنهما اثنتان..هما اثنتان وهناك شهيدان، لا أدري ما الذي جعلني أربط بين الحدثين معا. عاد المذيع ليطلعنا على خبر جديد، حينها، ركّزت سمعي للخبر، وكان بصري لم يغادر بعد منظر الزّهرة الذّابلة، وقبل أن يبدأ المذيع بالحديث...... سقطت بتلة ثالثة.... امتلأت عيناي بالبكاء، وكأن نهرا انفجر به سدّ عظيم، فقلت بصوت ترك تعجبا ًكبيرا ًفي عقول من حولي: " هناك شهيدٌ ثالث "، نظر إلي الجميع نظرة استغراب.... ولكنّه استغراب دون تعليق، فالجميع ينتظر الخبر اليقين ليعلن عنه بالإذاعة. بدأ المذيع بالحديث من جديد... "كان هناك شهيدان في مدينة غزة، ولكن ما وردنا قبل قليل، هو أن هناك شهيداً ثالثاً استشهد متأثرا بجروحــ...." لم اصمد لأسمع بقية الخبر.... انسحبت من المكان، وكانت خلايا جسمي تصرخ فزعا، ومضيت وأنا أحمل بين يدي ثلاث بتلات من زهرة جورية.... وذكرى شهداء ثلاثة....