ثم كانت كارثة حيفا..
لن ينسى ذلك المساء..
كان مشغولاً بصف التدريب...حين التفت إلى البحر فإذا بعشرات المراكب المُحَمَّلة بالناس...و تجمهر أهل مدينته و في منطقة الميناء يستطلعون...كانوا على علم بالمعارك التي تدور في حيفا. و كانوا يدرون أن سلطات الانتداب قد مَكَّنت الصهاينة من المراكز المُحَصَّنة سراً، في حين ادَّعتْ أنها لن تتخلى عن المدينة إلا بعد انتهاء فترة الانتداب بشهور، ولكن فجأة أعلنت عن اضطرارها الخلاء المدينة.
و انصبَّ الهول من الكرمل على العرب الذين يعيشون في السفوح، وَمَهَّدت السلطة لحالة ذعر بحرب إشاعات فتحت معها الميناء، وأطلقت سفنها تحمل كل راغب في رحيل، فتكدسوا فيها و النار تلفظ هولها عليهم من الجبل، ولفظتهم السفن على ساحل عكا...كتلاً بشرية...يَئِنُّ بعضها من الجروح، و بعضها من الجوع و بعضها من الفزع.
وامتلأت بيوت مدينته، مساجدها، أديرتها، ساحاتها بهم...
و تحملت مدينته الصغيرة عِبء تدبير طعام و مأوى لهذه الآلاف...
و في تلك الليلة رأى سعاد مع عشرات المتطوعات، يستقبلن الجرحى في الميناء، و يوزعنهم على المستشفيات و البيوت...و بدأت حرب الإشاعات تلعب لعبها في الأعصاب...
استيقظ في صباح اليوم التالي على قرع شديد على باب غرفته، وفتح الباب وَذُهِلَ إذ رآها...
كانت تبكي.
قالت له: أن أخاها قد دَبَّر شاحنة حشد فيها كل ما يمكن حمله، ثم وضع فيها زوجته و أطفاله و نفسه ليرحلوا للبنان...و أن عشرين أسرة من حَيّها قد فعلت مثله...
و قد فرض عليها أن تصحبهم فرفضت، و قاومت فضربها، فلم تجد أمامها إلاّ الفرار.
إنها آخر من يسافر...
و أذهلته المفاجأة...لم يدر ما يقول لها و ظل صامتاً، و لما قرعت صدره بقبضتها سأل:
- هل فعلتِ هذا بسببي؟
و انفجرت في وجهه:
- لا ليس بسببك...صحيح أنني احبك...و لكن لست كل شئ؟قالتها و انصرفت...و فتح الباب و خرج إلى المدينة...
عشرات السيارات كبيرة و صغيرة، محملة و فارغة، أطلقت دواليبها للريح...وَخَلّّته مذهولاً...لا يدري هل يبكي ؟ هل يصيح؟ هل يقذف هذه السيارات بحجارته؟...
و في أسبوع فرغت المدينة إلاّ من شاكي السلاح... و من بعض ممرضات موزعات على المستشفيات الصغيرة، و من النازحين إليها من حيفا أو القرى، و لم يجد وقتاً للقاءاته بسعاد...فأعداؤه في الشمال و في الجنوب يتربصون الفرص لِيُطْبِقوا على المدينة..كان في النهار يتسلل إلى القرى يجمع البنادق و الذخيرة، أما لياليه فللحراسة مع خمسة غيره يقبعون وراء المتاريس المقامة على ظهر مصنع تعطل فيه العمل، كان لابد للمدينة من الصمود حتى تبدأ معركة أخرى على مستوى جيوش بعد انتهاء فترة الانتداب...
هذه هي مهمته التي رسمتها اللجنة القومية للمدينة...و حين كان يجد وقتاً يسترخي فيه، كان يجد وقتاً ليفكر بسعاد و ليتساءل: كيف تراها تعيش؟ و تحت أي ظروف؟ و صعق مرة حين رآها أمامه...
كانت تلتف بمعطف و قد حملت صُرَّة كبيرة...
و حار كيف يتلقاها، هونت عليه الأمر حين فتحت الصُرَّة، و قالت موجهة حديثها لكل الرفاق:
- لقد خشيت اللجنة أن تفرغ مؤونتكم فتطوعت لحمل هذه الأشياء...و فتحت الصرة على خبز و بعض المعلبات و حلوى، و فتحت عينيها على نظرة استقطبت كل شوق العالم، أثارت انفعاله...
و لقد رأى من حقه وحده أن يمشي معها قليلاً و هي عائدة، و أن يمسك بأطراف أصابعها بيد مرتعشة، دون أن يجد ما يقول غير أن يتوسل إليها ألاّ تعاود مثل هذا الجنون، ثم ابتعدت ووقف يرقبها حتى ابتلعها احد المنعطفات.
و تكرّرت زيارتها...
لم تكن تلبث أكثر من دقائق، ولكنها كانت كافية لتشحن أحاسيسه و انفعالاته بشكل يتعبه و يسعده معاً...
إلى أن كان أول الأسبوع...
و اشتدت المعركة و جأرت النار طيلة ليلتين و نهار كامل و قسم من النهار الثاني...
كانت سيارات الأعداء المصفَّحة تتجه على الطريق العمومي إلى نهاريا، و كان عليهم أن يقطعوا عليها الطريق بالمدافع المبثوثة على الدور القريبة من الطريق...
و لم تهدأ المعركة إلاّ في الثالثة من عصر اليوم التالي، فانقضّوا على المتاريس، و استلقى بعضهم على الأرض، و نزل هو يغتسل من حنفية الحديقة تمهيداً لزيارة المدينة، يستفهم فيها عن خطة الحرس القومي في سحب السيارات المصابة إلى داخل المدينة...
وكان الصابون يغمر وجهه حين انبعث صوت رصاصة فثانية، فسارع يزيل الصابون عن عينيه حين ثقب أذنيه صوتها...
والتفت إلى باب الحديقة فرآها تمرق منه... و صُرَّتها بيدها، أما الأخرى فكانت على صدرها...لم يُصَدِّق أن بها شيئاً، و قد كانت واقفة على قدميها، و لكنها ما لبثت أن ارتمت عليه، و بدأ الدم يندلق على صدرها، فسد جرحها بيده، و نادى على رفاقه الذين سارعوا بإلقاء ستراتهم لتمتص دمها المسكوب.
و فتحت فمها لتقول شيئاً، ولكن الحشرجة خنقت كلماتها.
ثم انتهى كل شئ بشهقة ! ....
حدث هذا بسرعة لم يصدقها...دقائق وضعت حداً لكل شئ، فكيف، لم يُجمِّد الزمن...كيف تركها تموت؟كيف لم ترتعش تلك الجفون و هي تشرب كلمات حبه الأولى؟
ماتت...كيف و رائحة شعرها في أنفه ما تزال...و حرارة يدها تأكل كفه، لم يكن في نظراتها موت، في عينيها اللتين تتحديان أي شئ...فيهما حب ووعد بالحياة...
و يفرك عينيه، يطرد الكابوس و يشدّ على الغليون الذي قدمه له إبراهيم فلا تنغرز إظفاره في راحته، وهو يقرأ عيون رفاقه...
اجل ماتت، و انتزعناها منك و دفنّاها على الرابية هناك، و زرعنا على قبرها علماً، و كرّسناها بطلة...
كانت تحبك فباتت رمزنا جميعاً...إبراهيم، ووديع، و صالح، و احمد، و عبد الله...
خطّ أصفر نحيل و بضع نجيمات...ولا شئ إلا العتمة و أصوات الوحوش من بعيد، و هم أمام المتاريس بلا نوم أو طعام أو شراب...
و انقضت الليلة هادئة إلا من مناوشات في الفجر، ثم سكت كل شئ، و استسلمت الرؤوس المتعبة إلى النوم يفسده الجوع و توقع الخطر...
و مع الفجر فر ك عبد الله عينيه و سأل و هو يتطلّع في الصناديق الخشبية المركونة جانباً:
- أما من شئ نأكله؟...وردّ وديع:
- أجل هناك جوعنا...
و سكت...
و هناك أرغفة سعاد...لماذا لا يقولونها؟ و كانت ممتزجة بدمها، فأي إدام تعس لخبزهم؟...
لقد بدأوا يجوعون بشكل لا يطاق، و باتوا عاجزين حتى عن الوقوف...
و كان رامز يشعر بأن الظروف تتكاثف لامتحانه بشكل مذل، و بأنه ما من واحد من رفاقه سيجرؤ على أن يفكر في الأرغفة إلا إذا عرضها هو...
و غطّى عينيه بيديه، أهناك تعاسة بعد تعاسة اضطراره إلى أن يطعم دمها رفاقه؟...
و تطلّع إلى إخوانه. كان عبد الله مستلقياً على بطانية، و كذلك صالح، وكان احمد جالساً على كيس من الرمل و هو يضغط بطنه بيديه...
أن واحدهم مستعد لأن يأكل جثة كلب، و لكنَّ يداً منهم لم تمتد إلى الأرغفة الممتزجة بالدم...لقد كان عليه أن تأتي البادرة منه...ماذا يقول لرفاقه...خذوا فقد وهبتنا سعاد الخبز والإدام...
و أطرق قليلاً، ثم تحامل على نفسه ووقف...إذا كان هو يستفظع الفكرة، فإن عليه أن يمضى إلى المدينة ليتدبَّر لهم ما يأكلونه...
و حاول أن يقف، و لكنه كان ظاهر الخَوَر... و أدرك رفاقه ماذا يبغى من وراء ذهابه للمدينة، أن أية رصاصة ستصطاده كعصفور صغير، فالمنطقة الخلاء بين مركزهم و العمران كبيرة و مكشوفة، و مرور سيارات مصفّحة تحمي نفسها بإطلاق الرصاص في كل الاتجاهات متوقع في أي لحظة، فأمسك صالح به من كتفه واضطره إلى الجلوس...
فجلس للتوثب في رأسه طيوف معركة بين جوعه و جوع رفاقه و بين الأرغفة الحمراء...
كانت ما تزال مكومة في الزاوية، مصرورة كما حملتها سعاد...إن التجربة شئ يجرح أعصابه، ولكن شراء حياة خمسة، يجب ألا يخضع لإحساسه الرهيف...
ولكن أي ثمنْ سيدفع؟ أين الأعصاب التي تتحمل أن ترى يداً تمتد لتمزق رغيفاً، و أسنانا تدور لتلوك خبزها مغموساً بدمها؟ و أغمض عينيه....لا.هذا لن يكون...ولو ماتوا جميعاً..إنهم لا يفضلونها بشئ...وماذا لو ماتوا؟ تموت و هي تحمل خبزهم، و يموتون لأنهم لن يَمسّوا خبزاتها، فلا يشتري موتها حياتهم.يرفضون خبزات الفداء...و قد امتدت إليهم ممتحنة إنسانيتهم..أو إنسانيته هو على الأقل...فما ذنب هؤلاء ليجوعوا...؟ليحسبوا ألاّ خبز هناك...إنهم على كل حال لا يتطلعون إليه. لقد عفّوا و أقنعوا أنفسهم بأن ينتظروا رزقاً غير هذا...أو يموتوا... و يموت معهم ثارها...
ثارها؟ صحيح كيف ينسى ذلك...؟كيف يختار أن يموت جوعاً ككلب و يميت معه خمسة؟ حقاً إن كثرة تعاملهم مع الموت قد سلبته تلك الصورة المستفظعة، و لكن مهما كان له الحق في اختيار الميتة التي يشاء، فلن يختار أن يموت جوعاً...سعاد نفسها ترفض ذلك لبطل...
و ارتعش بألم...
لقد اكتشف أنه في الليلة الأخيرة، قد فكر في جوعه أكثر مما فَكَّّر في سعاد. لقد عطلت غريزة الجوع كل أحاسيسه الأخرى. يا إلهي ما أفظع التجربة!
و نادى إخوانه ففتحوا عيوناً تكاد تكون من إعيائها لا تنفتح، سيدعوهم واحداً واحداً...
إبراهيم، و وديع، و صالح، و أحمد، و عبد الله، و سيلتفون حوله في حلقة...ثم ينهض و هو يحضر الأرغفة... وحين تمتد يده ليفك الصرة، سيحكي لهم قصة عتيقة تعرفها هذه الأرض...ويعيها ناسها...قصة افتداء الحياة بالجسد و الدم...ثم يحمل خبزاتها و بكل الجو الشعائري سيقول لهم: "كلوا، هذه هو جسدي...و هذا هو دمي فاشربوا..." و سيأكل هو الإكسير أيضا... و سيستقر شئ من سعاد في أحشائه...شئ منها... أجل كيف لم يفطن إلى ذلك قبلاً...شئ ما يفتأ يتململ و يضج و يطالب و يذكره أن عليه أن يفعل شيئاً لهذا الجسد الثاوي في طرف الحديقة...
و قام متحاملاً على نفسه إلى الزاوية تتبعه عشرة عيون، شعر بنظراتها توثق رجليه...فتناول الصرة بيد ترتجف...وفتحها و أدنى الأرغفة من شفتيه، ثم اقترب من رفاقه و قدمها راكعاً وقال: " إن سعاد لا ترضى لنا أن نموت جوعاً..."
و غامت الدنيا في عينيه، ووقع على الأرض فاقد الشعور.
تمّت